حيدر حب الله
209
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
( ج ) ، فدائماً هذا العالم في حالة صراع بين الأشياء ، كما هي المصارعات في حياتنا الاجتماعيّة والفردية ، وهذه ليست فكرة ماركسيّة أو هيجليّة كما يتصوّر بعضنا ، إنّها فكرة ضاربة في أعماق الثقافة الفلسفيّة والعرفانية عند المسلمين أيضاً . إذن ، فكلّ إنتاج لشيء من شيء مستبطِنٌ لافتراض عدم وجود مانع من هذا الإنتاج ، ولهذا بُنيت العلّة التامّة في الفلسفة على افتراض انعدام المانع ، فأنت تقول : النار تحرق الورقة ، وهذا يستبطن ثلاثة معطيات : 1 - وجود النار ( المقتضي ) . 2 - حصول شرط الإحراق كالاتصال والاحتكاك مثلًا ( الشرط ) . 3 - ( انعدام المانع ) ، وهو مثلًا رطوبة الورقة التي قد تمنع من احتراقها أو وجود مادّة مضادّة فيها تحول دون احتراقها . فنحن دائماً في العلّيّات والأسباب نفترض ضمناً أنّ هناك تجاوزاً للمانع ، ولهذا يقول بعض الفلاسفة والعرفاء بأنّ العالم الأخروي لا يقوم على نظام التمانع والتزاحم ، بل هو عالم من نوع آخر ، ولهذا يحصل فيه ما يشتهيه الكلّ ولو بدا متعارضاً ، لأنّه لا يقوم على المنع ، بل يقوم على الجمع ، وهذا موضوع طويل يخضع لنقاش في محلّه . حسناً ، إذا أخذنا هذه الفكرة تصبح هذه النصوص دالّة على المعنى الذي نقول ، فهذه النصوص مثل فعل الأطبّاء ومختصّي التغذية وغيرهم ، إنّهم كلّ يوم يقولون لنا بأنّ تناول الكميّة المعيّنة من الماء مفيد للكُلية وللجهاز الهضمي ولغير ذلك ، لكن مع ذلك نجد شخصين يفعلان الفعل نفسه ، لكنّ أحدهما يصاب في كُليته والثاني لا يصاب ! لماذا ؟ لأنّ الماء ليس هو الشيء الوحيد في الحياة التي يؤثر في سلامة الكُلية ، بل هناك تنافس دائم بين المؤثرات بحيث يصبح كلّ مؤثر